محمد بن علي الشوكاني
2363
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
فإن كان هذا الظلم الذي شكوه إلى رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - حقًّا ، فكيف يطمع الآن في ناس ، لا يشكون ممن ولي شيئًا من أمورهم ؟ . وإن كان هذا الظلم الذي شكوه باطلاً ، فكيف لا يجوز صدور مثله ، من مثل أهل زماننا ، ونحمل المشكو منهم على السلامة ، ونقول للشاكي : أنت لا تقبل على خصمك كما ورد بذلك الشرع ، فكيف تقبل على من ولي الحكم بينك وبينه ؟ . وأقل الأحوال ، أن لا نبني علي ما يقوله الخصم في الحكم عليه مشيدات القناطر ، ونرتب عليه عظيمات الفواقر ، بل نبحث عن الحقيقة ونتبين الأمر كما أمرنا الله - سبحانه - بذلك في كتابه العزيز ( 1 ) أخرجه أبو داود في السنن رقم ( 1641 ) والترمذي رقم ( 1218 ) والنسائي ( 7 / 259 ) من حديث أنس . وهو حديث صحيح . وأخرج البخاري رقم ( 1470 ) عن الزبير بن العوام رضي الله عنه . قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره ، فيبيعها فيكف بها وجهه ، خير من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه » . وأخرجه البخاري رقم ( 1470 ) ومسلم رقم ( 1042 ) ومالك في الموطأ ( 2 / 998 ) والترمذي رقم ( 680 ) والنسائي ( 5 / 93 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدًا فيعطيه ، أو يمنعه » . % . بل قد كان الصادق المصدوق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -
--> ( 1 ) قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [ الحجرات : 6 ] . % . ثم اعلم أن الطعن على من سعى في مكسب حلال ، يعفه عن الحاجة إلى الناس ، ويعود عليه ، وعلى من يعول بفائدة لم يقع أحد من سلف هذه الأمة ولا من خلفها ، وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يسعون في المكاسب على اختلاف أنواعها ، ما سمع من رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، أنه أنكر على أحد منهم ، بل كان يرغبهم في ذلك ، حتى أمر من لا كسب له أن يأتي ببعض ملبوسه ، واشترى له بذلك فأسًا ، وأمره أن يذهب فيحتطب